الجاحظ

131

الحيوان

من ذلك ، فإنّ من الكفر ما يكون عند المسألة ، والجواب أسرع انتشارا وأظهر انتقاضا ، ومنه ما يكون أمتن شيئا ، وإن كان مصير الجميع إلى الانتقاض وإلى الفساد . ومنه شيء يحتاج من المعالجة إلى أكثر وأطول ، وإنما يتفاضل العلماء عند هذه الحال ، وقد يكون أن ينقدح في قلوب الناس عداوات وأضغان سببها التّحاسد الذي يقع بين الجيران والمتفقين في الصّناعة ، وربما كانت العداوة من جهة العصبيّة ، فإنّ عامّة من ارتاب بالإسلام إنما كان أوّل ذلك رأي الشّعوبية والتمادي فيه ، وطول الجدال المؤدّي إلى القتال ، فإذا أبغض شيئا أبغض أهله ، وإن أبغض تلك اللغة أبغض تلك الجزيرة ، وإذا أبغض تلك الجزيرة أحبّ من أبغض تلك الجزيرة . فلا تزال الحالات تنتقل به حتى ينسلخ من الإسلام ، إذ كانت العرب هي التي جاءت به ، وكانوا السّلف والقدوة . 2184 - [ أثر الغلمة في الجسم والعمر ] وتزعم الهند أنّ شدّة غلمة الفيل وطول أيّامه فيها وهجرانه الطّعام والشراب ، وبقيّة تلك الطبيعة ، وعمل ذلك العرق السّاري ، هو الذي يمنع الفيل أن يصير في جسمه مرّتين ، لأنّ ذلك من أمتن أسباب الهزال . وإذا تقادم ذلك في بدن وغبّ فيه ، عمل في العظم والعصب ، بعد الشّحم واللّحم . وإذا كان رفع الصوت والصّياح وكثرة الكلام والغضب والحدّة ، إنما صار يورث الهزال لأنّ البدن يسخن عن ذلك ، وإذا شاعت فيه الحرارة أحرقت وأكلت وشربت ، ولذلك صار الخصيّ من الدّيوك والأنعام أسمن . وزعموا أنّه ليس فيما يعايش الناس من أصناف الحيوان أقصر عمرا من العصفور ، ولا أطول عمرا من البغل . وللأمور أسباب ، فليس يقع الظنّ إلّا على قلّة سفاد البغل وكثرة سفاد العصفور . قالوا : ونجد العمر الطّويل أمرا خاصا في الرّهبان ، فنظنّ أيضا أنّ تركها الجماع من أسباب ذلك « 1 » . قالوا : وإذا اغتلم الذكر من الحيوان فهو أخبث ما يكون لحما ، وإذا كثر سفاده تضاعف فيه ذلك ، وصار لحمه أيبس ودمه أقلّ . قال الشاعر « 2 » : [ من الرجز ]

--> ( 1 ) ربيع الأبرار 5 / 398 . ( 2 ) الرجز بلا نسبة في اللسان والتاج ( رمل ، سحبل ) ، والتهذيب 15 / 205 ، وتقدم في 5 / 240 .